خليل الصفدي
386
أعيان العصر وأعوان النصر
شيخ أو ريح خزام ، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين . فإن المناصب تعلو بمن يلي أمرها ، وتشرف على غيرها بمن يعظّم الناس لأجله قدرها ، وتفوق بمن يطلع في ليالي التمام والكمال بدرها ، وتكبر بمن إذا تحدث فيها أجرى بالأموال والأمواه بحرها ، وتفخر بمن إذا تولى نظرها جمع نفعها ومنع ضرها ، ونظر الجوالي التي في الوظائف الدينية عدادها ، وإلى القرب السنيّة معاجها ومعادها ، وإلى الشرع الشريف ميلها واستنادها ، وبسيفنا الذي تجرده مهابتنا انتصارها واعتضادها ، لأنه استخراج مال قد تقرر شرعا ، وأخصب في الحل مرعى ، ودرّ بالبركات ضرعا ، واتسع به الإسلام صدرا ، لما ضاق به الكفر ذرعا ، وقرّت به عيون الدين ، وكيف لا تقر العين إذا أخذت من عدوها ، وهو لا يستطيع منعا ، لا يدخل الحول على ذمّي إلا جاء إليه من يطلب الجالية ، وأحاط به الذلّ الذي يقول معه ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ [ الحاقة : 28 ] ، وتجددت له حال حالكة ، وحالة الإسلام حالية ، على أن أهل الذمة في الذلة ماهرون ، وتمام المصيبة أنهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون . وكان المجلس العالي القضائي الضيائي أبو المحاسن يوسف ممن جمّل الدول ، وأسعفته الأيام بمراده حتى كأنها له من جملة الخول ، وفخر زمانه بوجود مثله ، وشهد حتى حسّاده بوفور فضله ، وأجرى اللّه تعالى نهر دربته فكان غير آسن ، وبهر حسن أوصافه حتى صدق من قال : إن يوسف أبو المحاسن ، ورفع اللّه خبره فانتصب تمييزا ، ومضت له مدة في الشام والسعد يقول : هذا في مصر يكون عزيزا ، وخطب إلى الديار المصرية فوردها ، وحلّ بها فحلّ الأمور تصرفا وعقدها ، وولي المناصب العلية ، وباشر الوظائف السنيّة ، أحسن نظره في الأوقاف ، وأجرى أمورها على أجمل الأوصاف ، ونظر في أموال الأيتام فنما حاصلهم وربا ، وأجمل المعاملة لهم فما انتهى لهم سبب إلا أتبع سببا ، وتولى نظر البيمارستان المنصوري فغمره بحسن النظر وعمّره ، وأثّر فيه بنيانا لألأ الضياء شمسه وقمره ، وزاد أوقافه ريعا وملكا ، ونظم درّ تدبيره الجميل سلكا ، وباشر الحسبة الشريفة فكانت بمعارفه أليق وأشبه ، وأصبح قدرها بولايته أنبل وأنبه ، وروّع أصحاب الغش بمهابته ، وما لكل محتسب عند الناس حسبه ، إلى غير ذلك من نظر الأهراء التي ملأها حبّا ، وصبّ اللّه البركات فيها بنيته الطاهرة صبّا ، ونظر دار القنود التي حلّت بحديثه فيها ، وتميّز ارتفاعها جملا تعجز واصفيها . هذا إلى صدر رحيب ، وخلق ما له مشاكل ولا ضريب ، وثناء هو في الذكر أبو الطيب ، ووجه إلى القلوب حبيب ، فكأنه كعبة قصّاد ، ومنزل روّاد ، ومنهل ورّاد ، وحلبة جود سبق فيها حاتما هذا الجواد ، قد تورّع عن المناصب الدنيوية ، وعرضت عليه أيامنا